السبت، أكتوبر 20، 2012

يوميـ(1)ـات أنثى

البدايــــة

     في يوم من الأيام البعيدة – منذ سبعة وثلاثون عاما تقريبا - قدّر الله لي أن أُخلق في رحم أمي نُطفةً ، وكانت أمي وقتها تُعاني من بعض المشاكل الصحية التي أجبرتها على أخذ الأدوية ، فعندما بَشّرتها الطبيبة بحملها بادرت أمي بإخبارها بأن هذا الجنين قد يكون مُشوهاً نتيجة للعلاج الذي تأخذه ويجب أن يتم إجهاضه ، ومن أوائل نسمات رحمة ربي التي أحاطت بي منذ البداية أن أمي حملت بي وهي تعيش مع أبي خارج مصر – في جزيرة فيلكا التابعة لدولة الكويت - ، ولذلك رفضت الطبيبة تماما فكرة الإجهاض لأن القانون في هذه الدولة كان صارما جدا تجاه هذا الفعل المُشين ، ويجب أن تتم الموافقة على الإجهاض عن طريق جهات شرعية وقضائية وطبية .
     تابعت أمي حملها بقضاء الله وقدره وتحت إشراف طبي للتأكد من عدم وجود تشوهات بالجنين ، وعندما شاء الله أن أخرج للدنيا كانت أمي في شهرها الثامن ، نعم ... وُلدتُ طفلة مُبتسرة وظللت في الحضّانة لمدة يومين ثم سلموني إلى أمي التي لم تستطع إرضاعي لأنها قد ولدتني بعملية قيصيرية ، ولم تكن هذه العملية بالشيء البسيط كما هي في أيامنا الحالية ، وضعتني أمي الحبيبة على خير ... وضعتني أنثى ، وكان أبي قد اختار لي اسم زينب ، وعندما ذهب إلى الموظف المختص لتسجيل بياناتي واستخراج شهادة ميلاد لي سأله الموظف : ما اسم المولودة ؟ ... فأجابه أبي بمنتهى التلقائية : إيمان !!!

     كنتُ الطفلة الصغيرة بعد أخٍ وأُختٍ يكبرونني ، ولا تحفظ ذاكرتي شيئا قبل سن الأربع سنوات ، حيث بَدَأَت تحتفظ ببعض الصور والمواقف والكلمات في طيات مُخي ، وأول ما أذكره هو قربي من أخي الكبير أكثر من أختي بالرغم من كونها أنثى مثلي ، لعلها الغيرة بين أبناء الجنس الواحد ، ولعله خطأ في التربية صدر من أمي ، ولعله مجرد اختلاف في تكوين الشخصيات منذ البداية .
     بشهادة جميع مَن شهدوا طفولتي ... كنت قوية الملاحظة ، سريعة الحفظ والفهم ، وذكية ، كان أخي يتحدى بي أصحابه في لعبة الشطرنج وكنت أهزمهم بالفعل وأنا مازلت في هذه السن الصغيرة ، وكان الجيران يطلبون من أبي أن يقوم بإشراكي في مسابقات على مستوى الدولة ، ولكنها بالنسبة له كانت أمورا لا أهمية لها ، خاصة وأنني أنثى ، ما الفائدة أن تحصل فتاة صغيرة على جائزة في لعبة الشطرنج ؟!!!!

     كنتُ طفلة اجتماعية جدا ، وبالرغم من هذا كان هناك مؤشرا على الوحدة يُحيط بي دائما ، فأخي وأختي كان معهما في فصلهما الدراسي أبناء الجيران ، أما أنا فقد كنت وحدي ،  وأبناء الجيران من سني إما أكبر مني بعام أو أصغر مني بعام ، وهذا الأمر كان يُحزنني بشدة لأنني لم أجد من أشاركه دروسي وأناشيدي وحفظي للقرآن كما يفعل أخي وأختي ، فبدأت بإنشاء صداقات مع بعض بنات فصلي الدراسي واللاتي كُن يسكن بعيدا عني ، وأصبحت أتحدث معهم هاتفيا عما درسناه سويا ، وبدأ تفوقي الدراسي يظهر في عامي الثاني الابتدائي ، وبدأت ألفت نظر المُدرسات وأثير إعجابهن ، ولعل السبب الرئيسي لتفوقي الدراسي – بعد توفيق الله – هو النظام الدراسي نفسه ، كان نظاما مُتكاملا من كل شيء يُساعد على توصيل المعلومة بمنتهى السلاسة ، ويُشجع المواهب الصغيرة على النمو ، ويسمح بحرية التعبير عن الرأي ... نعم كنتُ طفلة في المرحلة الابتدائية وكنتُ أستطيع أن أقول رأيي في الصحيفة المدرسية ونقد مواضيعها ويؤخذ رأيي بعين الاعتبار لأنني كنتُ أحد أعضاء فريق الصحافة في المدرسة .
     وفي الصف الثالث الابتدائي قمت بالاشتراك في مسابقة للرسم على مستوى الدولة عن طريق المدرسة ، وفزت بأحد المراكز العشرة الأولى في المسابقة ، ولكي أستلم جائزتي كان يجب أن أذهب إلى الكويت العاصمة وبالتأكيد سأذهب مع ولي أمري ، ولكن أبي كعادته لم يرَ أهمية للموضوع ، ولم أستلم جائزتي حتى يومنا هذا .

     كانت أول مشكلة تواجهني كأنثى هو تكوين شخصيتي المُستقلة ورأيي الحُر ، مما زاد من وحدتي ، كنت أحاول دائما الاعتماد على نفسي ولا أطلب شيئا من أفراد أسرتي إلا إذا أُغلقت كل الطرق بوجهي ، حتى في مذاكرتي وإمتحاناتي .
     وفي عام 1987م توفيت جدتي لأبي ، فأشارت أمي عليه أن يخرج لأداء فريضة الحج عنها ، فقرر أبي أن نخرج كلنا للحج ، لا أستطيع أن أقول بأنني استمتعت بالناحية الروحانية من الرحلة حيث أن عمري وقتها كان إثنى عشر عاما إلا ثلاثة شهور ، ولكنني قد عقدت العزم أن أعود من هذه الرحلة المباركة وأنا مُحجبة ، وما شجعني على هذا القرار أن أختي كانت قد تحجبت منذ عام ، وحاولت أمي أن تثنيني عن هذا الرأي لصغر سني وخوفها من أن أخلعه ، ولكنني أصررت فثبتني ربي حتى يومنا هذا .
     عُدتُ من الحج وأنا مُحجبة وأديت عاما دراسيا آخر هناك ، وكان عاما حافلا بالنسبة لي ، كان قمة المنحنى لحياتي ، أصبحت مشهورة في المدرسة ، محبوبة من جميع المُدرسات خاصة بعد ارتدائي الحجاب ، قدوة لجميع الزميلات والصديقات ، حتى أن مُدرسة اللغة العربية طلبت مني كشكول مادة النحو في نهاية العام لعلمها بحبي الشديد له ومدى ترتيبي واهتمامي بكشكول النحو بصفة خاصة .
     وعندما بدأتُ أستقر مع صديقاتٍ مُحدداتٍ لي وقمنا بتقوية الروابط فيما بيننا كنتُ قد أتممتُ الثانية عشر من عمري ، فكان القرار القاسي بعودتنا إلى مصر لأن أخي سيدخل الجامعة ... أترك صديقاتي ومدرستي وبيئتي التي لم أعرف غيرها لأعود إلى بلدٍ أنتمي إليه بالاسم فقط ولا أعرف عنه شيئا ولا أكن له أية عاطفة .

هناك 16 تعليقًا:

Ibrahim Atef Dia يقول...

و اجمل ( إيمـان )

Huda A. Al-Modalal يقول...

حبيتي ايمان، كنت في الكويت معي ولكن في تلك الجزية في وسط البحر....شعور طبيعي للوحدة، ربما من يُصر على ان تكون له شخصية مستقلة ورأي مختلف لا تابع يعاني من مسببات الوحدة والتي تؤدي الى الاختلاف في الآراء، ثم الوحد على كبر الله المستعان...

((وعندما بدأتُ أستقر مع صديقاتٍ مُحدداتٍ لي وقمنا بتقوية الروابط فيما بيننا كنتُ قد أتممتُ الثانية عشر من عمري ، فكان القرار القاسي بعودتنا إلى مصر لأن أخي سيدخل الجامعة ... أترك صديقاتي ومدرستي وبيئتي التي لم أعرف غيرها لأعود إلى بلدٍ أنتمي إليه بالاسم فقط ولا أعرف عنه شيئا ولا أكن له أية عاطفة .))
هذا اصعب جزء اشعر به كثيرا لان كثير من صديقاتي فارقوني خلال الغزو العراقي للكويت وبعد التحرير فعانيت كثيرا وبدات مرحلة تكوين اصدقاء جدد لكن لم انسى من رافقني في طفولتي،،،
ايضا المعاناةالتي عانتها صديقاتي عند بداية حياتهم في بلد لا يرتبطون به الا بالاسم...اعيدي لنا ذكريات ، اكملي فتح الله عليك ان شاءالله

إيمان الحسيني يقول...

تسلم يا إبراهيم :)

إيمان الحسيني يقول...

منوراني يا هدى :)
اليوميات كان ليها مُقدمة بأقول فيها إنك ممكن تلاقي نفسك في كلامي
أنا مانزلتش المقدمة وقولت أشوف ردود الأفعال أحسن :))

Huda A. Al-Modalal يقول...

استمري وسانتظر لبقية بشوق كبير...

kastan2006 يقول...

مبدئياً أهنئك على رقي اللغة و سلاستها فضلاً عن التوفيق في إختيار الألفاظ المعبرة .. أختلف معك في أسلوب السرد ..حتى لا يصاب القارئ بالملل ..للنثر و القصةوحتى للمقالةأدوات عدة فإنفردي بإسلوبك بالتنقل المبسط بينها..أدواتك اللغوية فرشاة لوحة تملكينها فلا تبخلي بها على من يقرأوتنوعي في مشاهدك البلاغية قدرما تستطيعين .. تمنياتي بالتوفيق

إيمان الحسيني يقول...

شكرا جزيلا يا أستاذ محمد :)
بس مسألة أدوات كتابة القصة وكده دي محتاجة دراسة بقى :)
ربنا ييسر

شششش..مش عايزة دوشة .. يقول...

أين الجزء الثانى ؟؟؟؟
استمرى :)

إيمان الحسيني يقول...

نزلته النهاردة :))
إنجوي :))

Mohammad Salah يقول...

تركيزك ع الوحدة ، سبب للوحدة نفسها ..

ممكن ما تركزيش شوية، أو ترغمي نفسك و لو أياما او ساعات على اللامبالاة ، مثلما أفعل ..

مش ها تخسري نفسك مثلما نعتقد ، و لكن ستكسبي خبرة جديدة ربما تنفع أحيانا مستقبلا !! ..

إيمان الحسيني يقول...

أحاول يا باشمهندس :)

Mohammad Salah يقول...
أزال المؤلف هذا التعليق.
Mohammad Salah يقول...

طيب ، بلاش كلام متفلسف ، و نقول كلام واقعي إلى حد ما.. بمعنى انا أمشي بيه و أعايشه و أطبقه .. يعني بأعمله

يعني أنا كمان بحب الشطرنج .. بس بأتغلب فيه ..و ساعات بأغلب .. و لسة راجع من عند واحد صاحبي .. أحترم فكره و فلسفته في الحياة .. فكر ناضج .. لكن إختياراته في الحياة سهلة و بسيطة ... و هو الإستمتاع ..

على عكسي .. غير مستمتع بالحياة .. و معقد و مكلكع الدنيا جواتي .. لو إندمجت لصاحبي دا .. و أنا اقترب منه على حذر .. عشان طبعا خايف.. إني أخسر نفسي .. و خايف أخسر معتقداتي .. و أفكاري .. و .. و .. إلخ ..

لكن في الجهة الأخرى .. استمتاع ..

حاجة تانية ... إن الشطرنج أو أي لعبة تانية .. تعتمد على الأشخاص .. مش الشيء نفسه .. ربما أو عن نفسي أنسى هذا .. يعني .. لابد من أهمية التواصل الفعال الهادىء البسيط أو غير البسيط و لكنه إتصال حقيقي مع الطرف الآخر .. ينتج إستمتاع حقيقي ... صحيح لا أطبق الجزء الأخير من كلامي جيدًا، لكني أحاول ، و أتشارك به مع حضرتك !! ..

إيمان الحسيني يقول...

المشكلة إن أنا فعليا اجتماعية
لكن وأنا وسط الناس بيفضل إحساس الوحدة جوايا
وبافضل وأنا وسط الناس على أعصابي ومش بارتاح غير لما بابقى لوحدي تاني !

Mohammad Salah يقول...

لو إجتماعية ، و بيفضل إحساس الوحدة موجود .. يبقا إزاي ؟؟


أكيد وائل ممكن يفيد أكتر في الموضوع دا بالذات ..


:))

Hossam abo ouf يقول...

بداية ممتازة