الجمعة، مارس 15، 2013

يوميـ(8)ـات أنثى

فاصل ونواصل (1)

     لن يستوي الأمر بالعودة بذاكرتي إلي مصر قبل أن أذكر بعض تفاصيل حياتنا في الكويت ، ولا أملك إلا أن أعترف بأنني عشتُ طفولة سعيدة في هذا البلد .. اثنتا عشرة عاما هي بداية حياتي كلها ولن أُبالغ إذا قلتُ بلغة الهندسة أنها الأساس الذي تم البناء من فوقه حتى يومنا هذا .

     منطقة الفلل .. تبدأ ذاكرتي منذ قمنا بالسكن في منطقة الفلل في جزيرة فيلكا ، ثلاثة صفوف من الفلل المتراصة ذات الطابع المعماري الواحد ، ولم يكن السكن "فيللا" بالمعنى المعروف ، فقط كان مسكنا مكونا من طابقين يضم ثلاثة غرف نوم وحمامان ومطبخ وصالة للمعيشة ، وفراغا داخليا لا سقف له ويتم الوصول إليه من داخل السكن كنا نُسميه بـ "الحوش" ، كان في هذا الحوش حوضان كبيران للزراعة واعتاد أبي – رحمه الله - أن يزرع فيهم الطماطم والخيار وكنا لا نتركه يهنأ أبدا بالثمر حيث كنا نتسابق أنا وأخوتي لقطف الثمار قبل نضجها ، أما بقية الحوش فكان فارغا فيه منطقة لنشر الغسيل ، وكانت أمي تضع غسالة الملابس العادية ذات العَصّارة الدوارة داخل الحوش في يوم الغسيل .. لن أنسى أبدا ما حييت صوت هذه الغسالة .


      في يوم أحضر لنا أبي حماما للسباحة من المطاط والذي يتم ملؤه (نفخه) بالهواء ، وكنا نضعه في هذا الحوش ويقوم أخي أحمد بملئه بالماء ، ولأننا ثلاثة فقد كنا نتناوب على السباحة في هذا الحوض الصغير ، ولأن أخي هو الكبير وهو الوحيد فينا الذي يستطيع قراءة الساعة فقد قرر أن يقوم بتقسيم الوقت فيما بيننا ، وبالطبع وكعادة الأطفال كان يستأثر لنفسه بنصيب الأسد داخل حمام السباحة مُستغلا جهلي أنا وأختي بالساعة .
     أما السلم الداخلي للسكن فحدثوا ولا حرج ! كان عبارة عن مدينة من الملاهي بالنسبة لنا ، وكان سلما خشبيا لا أستطيع نسيان رائحة خشبه وملمسه .
     أحيانا كان أبي لا يستطيع أن يأخذ عطلته السنوية للسفر إلى مصر فكنا نظل في الجزيرة تقريبا بمفردنا لسفر جميع المغتربين إلى أوطانهم ، فكان أبي تعويضا لنا يقوم بأخذنا إلى شاطيء البحر كل يوم جمعة ويحضر لنا فطائر الزعتر (مناقيش زعتر) ومُثلجات (آيس كريم) اسمها ذهب ، وكانت النتيجة في نهاية العطلة الصيفية هي التفحم التام من السباحة في أشعة الشمس طوال الصيف .
     ومن أهم ذكرياتي في منطقة الفلل هي تعلمي لكيفية ركوب الدراجة (العجل) ، كان لي دراجة صغيرة ذات ثلاث عجلات ولها كرسيان ولونها أحمر غامق (نبيتي) ، فكنت ألعب بها أمام منزلنا مع ابنة جارتنا والتي كانت تصغرني بعام واسمها "أميرة" ، أما أخي وأختي فكان لهما دراجتان للكبار ، دراجة أخي كان لونها أزرق ودراجة أختي كان لونها أحمر ، وفي يوم من الأيام أخذ أخي وأصدقائه دراجتي للعب بها بشكل صبياني مُستفز ، وشكوته لأمي ولكنني لم أستطع استعادتها منهم ! فطلبت مني أمي أن آخذ دراجة أختي وأحاول قيادتها ، وبالفعل أخذتُ دراجة أختي ذات العجلتين فقط وذهبت إلى مكان خالٍ بجوار المنزل بمفردي وظللت أحاول وأحاول حتى استطعت قيادتها في نهاية اليوم ، وعُدتُ إلى أمي والسعادة تملؤني لأخبرها بأنني استطعت قيادة دراجات الكبار بمفردي .
     في عام 1978 قرر أبي الخروج إلى الحج بمفرده وتركنا في الجزيرة بمفردنا ، ولكننا حيث كنا نسكن في ذلك الوقت كان المكان آمنا وحولنا جميع الخدمات ، أذكر أننا عندما كنا نشاهد مشهد الحجيج أثناء طوافهم بالكعبة كنا نظل مُلتصقين بشاشة التليفزيون أنا وأخوتي للبحث عن أبي وسط ملايين الحجيج ، وكان موقفا غريبا عندما عاد من رحلة الحج ووجدته وقد قام بإطلاق لحيته ! استغربتُ وجهه حتى أنني رفضت أن أسلم عليه وابتعدتُ عنه عندما حاول احتضاني كأخوتي ! ولكن مع الوقت اعتدتُ وجهه وقام هو بحلق لحيته بعد يومين تقريبا من عودته ، ومن أجمل الهدايا التي أتتني على الإطلاق كانت هدايا الحج التي أحضرها أبي لنا : كاميرا بها صور لأماكن الشعائر مثل الكعبة وجبل عرفات والصفا والمروة والجمرات ، جيركن كبير لونه أزرق مليء بماء زمزم .. ومازلنا نحتفظ بهذا الجيركن حتى الآن ، المِسبحة والسواك وسجادة الصلاة ، وفي هذا العام قررت أمي ارتداء الحجاب وهو أمر لم يكن مُعتادا في ذلك الوقت بين الأمهات المصريات صغيرات السن !
     كلمة "سجادة الصلاة" ذكرتني بموقف يُضحكنا أنا وأخوتي وأمي حتى يومنا هذا ، كان يوم جمعة وكان أبي مُتعبا ولم يستطع أن يذهب إلى صلاة العصر في المسجد وقرر أن يُصليه في البيت فطلب منه أخي وأختي الانتظار حتى يتوضآ ليُصليا معه جماعة ، فسألته : هل أستطيع الصلاة بلا وضوء لأنني لا أعرف كيف أتوضأ ؟ فأجابني بنعم وهو مبتسم حيث كان عمري وقتها أربعة سنوات ، ووقفنا خلفه للصلاة معه .. وما إن كبر تكبيرة الإحرام وكبرنا خلفه حتى بدأ أخي في كتم ضحكه وتبعته أختي وأنا ، ثم بدأنا نضحك بصوت ومازلنا نحاول كتم الضحك ، والغريب أننا لم نخرج من الصلاة وكان لدينا إصرار غريب على استكمالها ! وأكملنا بالفعل الصلاة خلف أبي ونحن نضحك ، انتهى أبي من صلاته وانفجرنا نحن في الضحك بدون أي سبب ! وقام أبي بمنتهى الهدوء والصمت بإحضار الحزام وقام بضربنا نحن الثلاثة ثم أمرنا بالنظر إلى الحائط مع رفع أيدينا عاليا ..... بكينا مثلما ضحكنا وأكثر ولكننا تعلمنا معنى قُدسية الصلاة .. رحمك الله يا أبي الحبيب وجعل صلاتنا في ميزان حسناتك .. اللهم آمين . وللحديث بقية بإذن الله تعالى .

هناك تعليقان (2):

Huda A. Al-Modalal يقول...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،

اتذكر ايضا نفس موقف سجادة الصلاة حصل معنا ولكن كنا نضحك خارج الصلاة وابي يصلي جماعة ولا نعرف ما الذي كان يضحكنا ولكن اتذكر ان العقاب كان شديدا ايضا ...سبحان الله في ذلك الزمان يتقف الاباء ف بنفس اسلوب العقاب ههههه

إيمان الحسيني يقول...

ههههههههههههههه
تعددت الآباء والضرب واحد ُ :))