الجمعة، نوفمبر 02، 2012

يوميـ(5)ـات أنثى


أسماء وحكايات (1)     

     لازالت بعض الصور والكلمات والمواقف التي مررتُ بها خلال فترة دراستي بالكويت عالقة بذهني ، وأكثر ما يهمني هنا هو الأشخاص الذين بدأت معهم حياتي الاجتماعية بمعناها المعروف من معاملات واحتكاك وخلافات وضحكات وصداقات واختيارات كانت السبب في تكوين آرائي وشخصيتي كـ(إيمان الحسيني) .

     فاطمة الأنصاري : فتاة إيرانية أتت إلى فصلنا الأول الابتدائي (أ) بعد بداية العام الدراسي بفترة قصيرة لا أتذكرها ، أتت من بلدها إيران ، كانت تنطق بالعربية الغير مُتقنة فكانت تتحدث عن الأنثى بـ(هو) وعن الذكر بـ(هي) ، لا أعلم حتى الآن ما إذا كانت شيعية المذهب أو سنية لأنني لم أكن أعلم شيء عن هذه المسألة آنذاك ، ولكن ما كنت أعلمه وأعيه وقتها هو الحرب العراقية الإيرانية والتي كانت سببا في حدوث الشجارات اليومية ما بين (فاطمة) و (أفكار) ... أفكار هي فتاة عراقية كانت تعيش في الكويت مع أسرتها هربا من تجنيد الذكور في الجيش العراقي كغالبية الأسر العراقية في ذلك الوقت ، وكانت الشجارات ما بين فاطمة وأفكار تبدأ بالتراشق بالألفاظ وتنتهي بضرب فاطمة لأفكار ، لم يكن الضرب متبادلا فيما بينهما فقد كان واضحا للجميع مدى قسوة فاطمة وشدتها وقوة جسدها و .... حبها للتملك ، فقد شاء الله أن تجلس بجانبي عندما وفدت علينا كطالبة جديدة ، وكنت أول من تعرفت بيها في المدرسة بأسرها ، فارتبطت بي إلى حد التملك ، وكلما حدث شجار فيما بيننا أقرر ترك المكتب المشترك – والذي كان يجلس عليه طالبتان فقط – وأجلس بجوار أي فتاة أخرى ، فتظل تبكي وتشتكيني إلى مدرسات الفصل حتى أعود إلى جوارها مرة أخرى رغما عن إرادتي لأن الجميع يراني في هذه اللحظة قاسية القلب وعديمة الرحمة بسبب بكائها الشديد ، ولا أعلم حتى الآن السبب الذي جعلها تتعلق بي لمدة أربع سنوات متتالية وتحرص على الجلوس بجانبي دائما في كل عام وذلك لأننا كنا من أطول الفتيات في فصولنا الدراسية ، وكنا أيضا كفرسي رهان نتنافس على المراكز الأولى ... (فاطمة الأنصاري) تعلمتُ من خلال صداقتي لها والمُكرهة عليها خلال أربع سنوات أن أصاحب من أحب ولكن لا أمتلكه ولا أخنقه ولا أفرض نفسي عليه كَرها .

     أمنية مختار : فتاة مصرية قصيرة القامة كانت تجلس دائما في أول مقعد أمام السبورة مباشرة ، كانت أمها تعمل مدرسة بالروضة وكانت على علاقة طيبة بجميع المدرسات في المرحلة الابتدائية ، فكُن يدللن أمنية ويُعاملنها معاملة خاصة ، ومن كانت تُعامل معاملة خاصة من غير الكويتيين كان يجب أن يكون أحد والديها على الأقل طبيبا أو مدرسا ، كانت علاقتنا ببعضنا البعض مذبذبة ، لا يحدث شجار أو خلاف ولكن أحيانا نكون أصدقاء ، وأحيانا أخرى مجرد زميلات دراسة ، أعتقد أنني كنتُ أشعر بحساسية شديدة تجاه هذه الفئة من الطالبات اللاتي كُن يُعاملن معاملة خاصة لأنني كنتُ أشعر بالظلم ، فبالرغم من تفوقي وعدم معرفة أحد بأسرتي إلا أنه لم ينتبه أحد لوجودي إلا في السنوات الأخيرة لتواجدنا بالكويت ، ولكننا في نهاية الأمر أصبحنا صديقات وكوّنا مجموعة مكونة من أربع مصريات (أنا وأمنية وهبة وهايدي) وكان هذا التجمع بعد أن أثبتُ ذاتي بفضل الله تعالى أولا وأخيرا ثم بمجهودي الدراسي ، حيث أن الثلاث فتيات كن بنات مدرسين ومدرسات معروفين على مستوى الجزيرة التي كنا نعيش فيها وكُن من صويحبات المعاملة الخاصة اعتمادا على ذويهم ... تصاحبت معهم بعد أن أصبحتُ أعامل معاملة خاصة ، ولكن لتفوقي وليس لكوني ابنة فلان .

     عزيزة : فتاة عراقية أخرى هربت مع ذويها إلى الكويت هربا من تجنيد أبيها وأخوتها الذكور في الجيش العراقي ، كانت فتاة مسكينة وهادئة ، مستواها الدراسي متأخر ولكنها كانت تنجح ، كنا نحب التحدث مع بعضنا البعض ، وأذكر أنني ركضت أكثر من مرة لاستدعاء ممرضة المدرسة لإسعافها لأنها كانت تُعاني من الربو ، كنتُ أرتاح في الحديث معها ولا أعلم لهذا سببا ، وكان مما أخبرتني به عن الحرب أن الجيش العراقي يقوم بتجنيد الذكور من سن (15) عاما – أو ربما أقل - حتى يستطيع أن يصمد أمام الجيش الإيراني ، مازلتُ أذكرها وأذكر نبرة صوتها في الحديث ولهجتها العراقية .

     هبة البحيري : أصبحت من أقرب الصديقات إلى قلبي وهي إحدى الثلاثة فتيات المصريات اللاتي سبق أن ذكرتهن ، لعل السبب في تقربنا من بعضنا هو الروح الساخرة التي كنا نتميز بها نحن الإثنان ، سرعة البديهة والتعليق التلقائي والسخرية اللاذعة ... صفات جمعتني بها فأصبحنا ثنائيا بداخل الرباعي ، أما أمنية وهايدي فقد جمعتهم أيضا بعض الصفات مثل الكِبر وعدم الوضوح ، لا أدعي بأنني اكتشفت ذلك وقتها وفي هذا السن الصغر ، ولكنني أفهم الآن بعقلي وتفكيري الكثير من الأحداث والكلمات التي صدرت منهن في وقت من الأوقات ، وهذه التصرفات التي صدرت من أمنية وهايدي كانت مجالا خِصبا للسخرية مني ومن هبة ... حقا اشتاقُ إليها الآن .

     تتزاحم الشخصيات والمواقف في رأسي الآن بشكل مُحير ومُشتت ، عَلّني أعود من جديد في حلقة سادسة لأتحدث عن شخصيات أخرى كانت سببا في تكوين شخصيتي الصغيرة .

هناك 13 تعليقًا:

kastan2006 يقول...

النقد والإيجابيات لا يختلفان عن الحلقة السابقة حيث تعتبر هذه الحلقة إمتداداَ لسابقتها فيما عدا إكتسائها ببعض السوادإياه(الذي تعرفينه) والذي ظهر جلياً في مشاعرك تجاه من لم تتوافقي أو تتألقي معهم كما ظهر كشعور طبيعي تجاه التمييز والتفرقة في المعاملة من بعض المدرسات(وهو رد فعل متوقع وطبيعة بشريةنتيجة الإحساس بالظلم)
إقتراح :

كما فهمت أن يومياتك هذه مكتوبة في الزمن الماضي .. فلما لا تعيدين كتابتها من الذاكرة أو تعيدي صياغتها فربما يفيد ذلك في تجويدهاأو صياغتها برؤية إبداعية مختلفة
أتمنـــى ذلك

تمنياتي بالأفضل فيما هو آت

Continually go ahead

إيمان الحسيني يقول...

مسألة إني أعيد صياغة حاجة دي صعبة لإني من النوع إللي مش باحب أشتغل في حاجة أو أعيدها مرتين ..
الحاجة إللي باخلصها بتبقى منتهية بالنسبالي
ودي مشكلة لحد دلوقتي باواجهها في الشغل
لما بترجعلي حاجة اشتغلتها قبل كده علشان اتعمل عليها تعديل باشتغل فيها بالعافية !

شكرا للزيارة وإبداء الرأي :)

يا مراكبي يقول...

أُتابع يومياتك - ولو أنها ليست يويمات بالطبع هههه - وخصوصاً أنها تتحدث عن الأيام الجميلة للكويت

أفمت في الكويت بعد حرب الخليج الثانية، وطالما استمعت إلى الكثير من الحكايا من قدامي المُقيمين عن الكويت قبل الغزو وبعد الغزو وقبل أن أُقيم أنا أيضاً بها

كان من الواضح أن الكويت كانت أجمل وأجمل، رغم كل التقدم الحادث فيها الآن إلا أنهم اتفقوا جميعاً على أن ما سبق كان أفضل وأروع

إيمان الحسيني يقول...

فعلا
الكويت قبل الغزو كانت جميلة
وأعتقد ده ليه علاقة بالحاكم
الشيخ جابر والشيخ سعد عليهما رحمة الله ماكانش فيه أي خلاف عليهم
ولحد يومنا هذا كويتين كتير لسه معلقين صورهم ومش معلقين صور الأمير الجديد !

إيمان الحسيني يقول...

ليه بتقول إنها مش يوميات ؟!!!!

Huda A. Al-Modalal يقول...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،

سبحان الله ، احلى مافي مدارس الكويت وعيشتي في الكويت اني تعرفت على شخصيات عدة، ما لا تعرفينه انه بحكم معيشتك على جزيرة يسكنها الغالبيةمنمواطنين البلد والقلة من غير المواطنين، ربما ذلك اسهم في التمييز الشديد ما بين الكويتي والغير كويتي ومعرفة من يمتكل واسطة اكبر له صلاحيات ومميزات اكثر...الوضع كان مختلف داخل العاصمة الكويت، حيث ان غالبية المدارس كانت تحتوي جميع الجنسيات والمميز ان الجنسيتات العربية كانت تتمركز في اماكن معيشتها اعني كالسالمية وحولي والفروانية وغيرها بينما بحكم سكن الكويتيين في مناطق خاصة بهم كالشاميةوالخالدية وغيرها فطبيعي ان يكون الغالبية كويتتين لا تشعري بالتفرقة،بل كان من المعروف ان من تريد ان تحصل على تعليم قوي ومدرسات جيدين وتكون متفوقة هو ان تنتقل الفتيات الى المدرسة التي تكون فيها نسبة وافيدين اكثر وتعرفين لماذا، ولااهم في خلال سنوات دراستي لم اشعر بهذا الفرق او التمييز او العنصرية، بالعكسكانت اجمل ايام حياتي المرحلة المتوسطة والابتدائية والثانوية لا استطيع ان احكم عليها لاني قضيت سنة واحدة في مدرسة حكومية ثم جاء الغزو واجبرنا على دخول المدارس الخاصة وتلك مرحلة اخرى اعتبرها مختلفة ايضا ومثمرة جدا بالنسبة لي لتخرجي من الثانوية العامة. اسفة على الاطالة

إيمان الحسيني يقول...

طولي زي مانتي عاوزة يا هدى
بافرح لما بالاقي حد عارف أنا باتكلم عن إيه :))

Huda A. Al-Modalal يقول...

اما بالنسبة لتغير الحياة لما قبل وبعد الغزو العراقي للكويت، الغزو العراقي قضى على احلام الكثير وشرد الكثير وقتل الكثير،انا والدتي مصرية ووالدي فلسطيني وقبل الغزو الكويت كانت الكويت بالنسبةلنا جنة، انا بعد الغزو تم تسريح ابي من عمله بالحكومة بسبب جنسيته واصابته الامراض وبسبب اكتئابه ولم يستطع ان يعمل الى ان توفي رحمه الله من احدى عشرة سنة، وفي ذالك الوقت حذث جدال كبير بين ابي وامي ، حول انتقالنا الى مصر او الى الاردن ولكن كلا الطرفين كان يرفض السفر الى ادولة الاخر ، حيث انهم لم يحسبوا قدوم مثل ذلك اليوم ولا يتخيلوا انفسهم يعيشون في بلد اخر غير الكويت ووالحمدلله ان امي واخي الكبير كانا يعملان في ذلك الوقت، فلا نعلم ما الذي كان ان يحدث، لكن احب الكويت واحب العيش فيها ولا اتخيل حياتي في مكان اخر، خاصة ان الحياة تغيرت لات الشعب نفسه تغير ، غالبية الشعب الكويتي كان يعيش في الخارج وعاش مع شعوب وعرف من صديقه ومن هو عدوه وعلى اهذا الاساس بدا يتعامل مع من حوله والله اعلم

marwa10mohamed يقول...

انا قرأت الحلقات كلها مره واحده لغايه الحلقه 9 ...دى اكتر حلقه عجبتنى ..وجود شخصيات من دول مختلفه و ثقافات مختلفه التنوع ده بيساعد مستقبلا فى الحكم الصح ع الناس ...عجبنى اسلويك فى السرد بالرغم من استخدامك للغه العربيه (اللى انا مبسوطه جدا احياءا ليها ) بالرغم من ان اغلب المذكرات بيتجهه اصحابها للعاميه عشان ملل القارئ لان انا محسيتش بالملل خالص ..بحيكى انك لسه فاكره الذكريات الجميله دى و عندك شجاعه انك تكتبيها ..زبالتوفيق يارب :)

marwa10mohamed يقول...

1-انا قرأت المذكرات كلها مره واحده لغايه الحلقه 9 ..زلكن دى اكتر حلقه عجبتنى (طبعا كلهم حلوين بس دى اكترهم ) عجبنى وصفك لزملاء الطفوله الوصف الدقيق بتاع شخصيه كل واحده ازاى ..الظروف اديتك فرصه كويسه انك تقابلى ناس من مختلف الجنسيات و الثقافات ده بيأثر بعد كده فى سهوله الحكم الصحيح ع الناس ..
2- عجبنى استخدامك للغه العربيه فى الكتابه اغلب مذكرات اللى قرأتها كانت بتستخدم العاميه حتى اللى قرأته بالعربيه حسيت بالملل فى لكن اسلوبك فى السرد ماشاء الله جميل جداً محسيتش بالملل خالص رغم انى قرأت كذا حلقه ورا بعض مره واحده
3-و اخيراً البقاء لله فى وفاه والدك
و اتمنى اشوفك باقى الحلقات انا متوقعه ان الحُبكه كلها هتيجى من فتره عودتك لمصر الاختلاف المفاجئ فى تغير المكان و تغير الاصدقاء اكيد اثر عليكى ..مستنين نسمع البقيه ان شاء الله
بالتوفيق يارب على طول

marwa10mohamed يقول...

1- انا قرأت الحلقات كلها مره واحد لغايه 9 و لكن دى اكتر حلقه عجبتنى ..عجبنى وصفك لاصدقائك بشخصياتهم المختلفه و ثقافتهم المختلفه اعتقد التنوع ده ساعدك كتير بهد كده فى الحكم الجيد ع الاشخاص
2- احييكى ع كتابتك باللغه العربيه بعض كتاب المذكرات بتخاف من الحته دى خشيه ان القارئ يشعر بالملل ...لكن انتى نجحتى اسلوبك فى السرد كان رائع محسيتش بأى ملل بالعكس كان عندى فضول اعرف الباقى
3- طبعا اتمنى لك التوفيق فى سرد باقى المذكرات متوقعه فتره عودتك لمصر هيكون فيها الاحداث الاكبر تغير المفاجئ فى البيئه و الاشخاص هيأثر كتير مستقبلاً
4- البقاء لله فى والدك و اتمنى انها تكون اخر الاحداث و بالتوفيق يارب فى كتابه القادم
مروه محمد

marwa10mohamed يقول...

انا مش عارفه التعليق بتاعى بيوصل و لا لاء انا كاتبه 3 مرات لغايه دلوقتى :)
ع العموم يارب يكون بيوصل :)
انا اول مره اعلق لحد فى المدونه بتاعته

إيمان الحسيني يقول...

التعليقات وصلت كاملة يا مروة
أنا أصلي عاملة moderate للتعليقات ماتنشرش غير بإذني علشان الناس الأمورة إللي بتدخل تشتم عمال على بطال :)
تسلمي من كل سوء يا ست البنات :))