السبت، مارس 23، 2013

يوميـ(9)ـات أنثى

فاصل ونواصل (2)

     بعد ثلاثة أعوام تقريبا من حياتنا في منطقة الفلل انتقلنا للسكن في منطقة الشاليهات بجانب عمل أبي في محطة إرسال التليفزيون في جزيرة فيلكا ، ومنطقة الشاليهات هي منطقة سياحية في المقام الأول تحتوي على مجموعات سكنية يبلغ عددها أربعة عشر مجموعة كنا نحن نسكن في المجموعة العاشرة ، حيث تم تهيئة الشاليه ليناسب الحياة اليومية بدلا من أن يكون مجرد سكن سياحي ، كان الشاليه مساحته معقولة يحتوي على غرفتين للنوم وحمام ومطبخ وصالة كبيرة للمعيشة ، وأجمل ما فيه هو رؤيتنا المباشرة للبحر .. مياه الخليج العربي .
     ومنطقة الشاليهات كانت تحتوي على منطقة بها فندق صغير وبجانبه حماما كبيرا للسباحة (حمام سباحة أوليمبي) وثلاثة حمامات صغيرة للأطفال ، أما بالنسبة للمجموعات السكنية فقد كانت كل مجموعة تحتوي على ألعاب بسيطة للأطفال ومساحات واسعة وآمنة للعب وركوب الدراجات ، ومناطق خضراء ومُزهرة بالرغم من صحراوية المنطقة ، ومن هذه المناطق ما يُسمى بالدوار .. منطقة خضراء مستديرة في بداية المنطقة السكنية لتحديد اتجاهات الدخول والخروج والمرور للسيارات متسعة المساحة كانت تضمنا لممارسة ألعابنا المختلفة .
     أصدقاء الطفولة في الشاليهات كانوا من مختلف الجنسيات .. مصرييون وفلسطينييون وسورييون ويمنييون ، كانت تجمعنا مدارس واحدة لمختلف فئاتنا العمرية وتجمعنا أيضا منطقة سكنية واحدة ، كان من المعتاد أن نتجمع في الدوار للعب مباراة لكرة القدم ما بين فريق للبنات وفريق للشباب ، ولأنني كنتُ أصغرهم سنا فقد كنت دائما ما أجلس على دكة الاحتياط !
     وفي مياه الخليج العربي أمام منزلنا في الشاليهات تعملتُ السباحة ، بجانب أن أبي – رحمه الله – كان يذهب بنا بين الحين والآخر إلى حمامات السباحة ، مازلتُ أذكر المايوه والعوامة وصورة فوتوغرافية أُلتقطت لنا أنا وأخوتي في حمام السباحة من أحد المصورين وبجانبنا فتاة إيرانية صغيرة تعرفنا عليها في ذلك اليوم .
     ومن أجمل أوقات عمرنا التي قضيناها في منطقة الشاليهات هي شهر رمضان المبارك ، حيث كان يأتي في فترة الثمانينات خلال فصل الصيف والأجازة ، فكنا نقضي الليل بعد صلاة العشاء في اللعب وحفظ أغاني برامج الأطفال والمسلسلات سويا حتى إذا ما اقترب وقت السحر توجهنا إلى شاطئ البحر للتمشية وبناء البيوت الرملية ثم نعود إلى منازلنا لتناول وجبة السحور ، وفي النهار لم يكن أحد منا يجرؤ أن يخرج من منزله في قيظ الصيف في منطقة شبه صحراوية وكانت متعتنا هي مشاهدة التليفزيون ومتابعة المسلسلات المصرية وفوازير رمضان وبرامج الأطفال المختلفة .
     وإذا تذكرتُ رمضان في الكويت تستحضر ذاكرتي مسلسل الشهد والدموع ورحلة أبو العلا البشري وليالي الحلمية في أجزائها الأولى .. وفي الخلفية الأغنية الكويتية الفلكلورية الخاصة بالشهر الفضيل ، والتي مازلتُ أصر على الاستماع إليها كل عام عند حضور الشهر الكريم .

     وعند منتصف شهر رمضان تكون ليلة "القرقيعان" وهي ليلة أشبه بطقوس "حالو يا حالو" المصرية ، نتجمع نحن الأطفال ونرتدي حول رقبتنا حقيبة حمراء اللون ثم نبدأ في الطواف على الجيران ونحن نغني الأغنية الخاصة بالمناسبة ، فيقوم أهل البيت بإعطائنا الحلوى والشيكولاتة والمكسرات في حقائبنا الحمراء ، وكانت الجمعيات التعاونية ومحلات الأطعمة تمتلئ في هذه المناسبة بكل أصناف الحلوى والمكسرات المعتاد تداولها في ذلك اليوم ، ثم نجتمع في النهاية ونفرغ حقائبنا لنتناول حلوانا معا ، وقرب أذان الفجر يجمعنا أبي في المنزل ليقرأ القرآن ويفتح كل منا مصحفه ليقرأ مثله ، ثم يطلب منا شرب المياه استعدادا لصيام اليوم التالي ، ويأمنا في صلاة الفجر ثم نخلد إلى النوم .
     وما أجملها من أيام دراسية قضيتها هناك ، فيبدأ يومنا الساعة السادسة صباحا وأمي تحاول إيقاظنا فيطلب منها أخي أن توقظ أختي ثم تطلب منها أختي أن توقظني أنا ، ونتناول وجبة الفطور مع أبي وأمي على صوت الراديو وبرنامج صباح الخير يا كويت حيث كانت الفقرة في هذا التوقيت مُخصصة للأطفال .. نسمع الحدوتة ثم الأغنية ، وكنا نقوم أنا وأخوتي بتسجيل أغاني الأطفال التي تُذاع صباحا على شرائط الكاسيت .. كانت أغاني كثيرة جدا وكنا نحفظها عن ظهر قلب ونقوم بترديدها مع الأصدقاء في باص المدرسة .
     آخر عهدي بمنطقة الشاليهات كان يوم الثامن والعشرين من شهر يونيو لعام 1988 ، كنا نستعد للسفر إلى العاصمة الكويت وأقمنا عند خالي يومان ثم اتجهنا بسيارتنا إلى منطقة الحدود مع السعودية والمسماه بالسالمي لنبدأ رحلة سفرنا بالبر إلى مصر ..... كان يوما حزينا جدا بالنسبة لي ، شعرتُ بأنه يتم انتزاعي من جذوري ، كنتُ طفلة ولكن ذكرياتي القليلة جعلتني أتمسك بالمكان وبالأشخاص ، أخفيتُ بكائي طوال اليوم ولكنني مازلتُ أحيا نفس الإحساس وتدمع عيني لهذه الذكرى .. ودّعتُ الأماكن بنظري واستسلمتُ لأمر أبي وأمي بالسفر والعودة إلى مصر .. وكان سفرنا هذا عن طريق البر للمرة الثالثة .. قد أحكي لكم عن مُتعة السفر برا إذا أحياني الله لكتابة الحلقة العاشرة .

هناك 6 تعليقات:

Huda A. Al-Modalal يقول...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،

جميلة جدا المرة دي، وحزينة لفراقك الكويت، تعرفي المشكلة مش الكويت والا الصين ، المهم مكان اتولدت واتربيت فيه وكبرت وكونت فيه ذكريات واعتمدت ان حياتي حتبجا فيه، لكن لا ينال المرء ما يتمناه ابدا.

إيمان الحسيني يقول...

بالضبط يا هدى فيه ناس كتير مش فاهمة النقطة دي
نقطة الانتماء لمكان اتولدتي فيه وعيشتي فيه طفولة سعيدة واتربيتي فيه !

kastan2006 يقول...

فيلات لا فلل .. ومسلسلات فقد جاء بعدها اكثر من إسم .. الجانب الوجداني العاطفي متمثل في الحنين والعشرة للمكان غالب على السياق الروائي واكن لا بأس لكونها يوميات .. ألحظ وفرة في إستخدام أدوات القصة اكثر من ذي قبل .. تمنياتي بمزيد من الكتابة و مزيد من التقدم

إيمان الحسيني يقول...

نأسف للأخطاء اللغوية
بقالي كتير سايبة الكتابة :))
شكرا جزيلا للتصحيح والتعليق :))

يا مراكبي يقول...

فكرتيني بالقرقيعان :-)

كان الأولاد بيحبوه أوي

إيمان الحسيني يقول...

ذكريات جميلة :))