الأحد، أبريل 07، 2013

يوميـ(10)ـات أنثى

السفر برًا
     ونبدأ رحلتنا على بركة الله ، حيث كانت أول تجربة للسفر برا من الكويت إلى مصر في عام 1983 بعد أن أنهيت عامي الدراسي الأول على الإطلاق ، وقد مر على آخر عطلة لنا في مصر ثلاثة أعوام كاملة نتيجة لتفاصيل كثيرة قد أذكرها فيما بعد حيث أنها بدأت في الظهور مُجددا بعد عودتنا إلى مصر نهائيا . 


     بدأنا رحلتنا من جزيرة فيلكا حيث اشترى أبي شبكة للسيارة لربط الحقائب فوقها وقام بتركيبها ثم توجهنا إلى الميناء لركوب العبارة إلى الكويت العاصمة ، كانت سيارة أبي في ذلك الوقت ماركة فيات بولونيز أصلية من إيطاليا .. أسمع صوت ضحكاتكم في الخلفية وأنا أكتب ولكن هذه هي الحقيقة ، بعد وصولنا إلى العاصمة بدأ أبي في إخراج خريطة لطريق السفر تُعطى له مع أوراق السفر الخاصة بالسيارة للسماح بخروجها من الحدود البرية ، واستطعنا بحمد الله الوصول إلى نقطة الحدود الكويتية السالمي ..! بمجرد أن ذكرت الاسم تنسمت رائحة الجو والمكان ليلا وقت أن وصلنا إلى هناك ! وبدأ أبي – رحمه الله – أخذ الإجراءات اللازمة لختم جوازات السفر وتسليم ورقة "الخروجية" وهو تصريح مكان العمل بسفره من البلاد في يوم مُحدد .
     وخرجنا بسلام من الكويت وبدأنا في التوجه إلى نقطة الحدود السعودية والمُسماه بحفر الباطن ، قد يتذكر بعضكم الاسم من أحداث حرب تحرير الكويت حيث كانت مركزا لتجمع الجيوش التي أتت لتحرير الكويت من الغزو العراقي الغاشم ، وطال بقاؤنا في حفر الباطن حيث يتم تفتيش جميع حقائبنا وتفتيش السيارة ذاتها قبل دخولنا إلى الأراضي السعودية ، ثم يتم ختم جوازات السفر بختم دخول المملكة ونبدأ في التوجه إلى أولى محطات راحتنا .
     أولى المدن السعودية التي نتوجه إليها بعد حفر الباطن هي مدينة عرعر ، مدينة صغيرة ومحدودة أشبه بالقرية ولكنها مألوفة المكان للجميع ، وقد أصبحت بمرور الوقت وشيوع السفر برا مركزا لتجمع المصريين للمبيت بها ، منهم من يبيت في الفندق الوحيد بالمدينة ومنهم من يفترش الأراضي الصحراوية الممتدة حول المدينة ، وهذا التجمع يُكسب المكان نكهة مصرية خالصة ، قمنا بالمبيت في فندق المدينة وقام أبي بحجز غرفة بها أربعة أَسرّة وقام العامل بإحضار سرير صغير من أجلي وهو من الأَسرّة التي يتم ثنيها وتخزينها ، وبدأت الكوميديا بمجرد أن نمت على السرير بأن انغلقت ركائزه تحت رأسي فأصبحتُ مائلة ، وقام أبي بفتحها ونمتُ مجددا ، فانغلقت الركائز الوسطى وأصبح السرير كالـ "ساندويتش" وأنا في منتصفه ، وقام أبي مرة أخرى لفتحه واستقر أخيرا لنستغرق كلنا في نوم عميق نستيقظ منه باكرا لنستكمل رحلتنا .
     ثاني محطة لنا كانت مدينة سكاكا .. لا تختلف كثيرا عن عرعر ولكننا كنا نمر بها مرور الكرام لنتوجه إلى تبوك ، مدينة كبيرة تقع على الحدود السعودية الأردنية ومكان آخر للمبيت طلبا للراحة .
     بعد أن نترك مدينة تبوك نتوجه إلى حدود الأردن ونقوم بنفس الإجراءات التي قمنا بها على الحدود الكويتية السعودية ، وبعد دخولنا إلى الأردن يبدأ توجهنا إلى مدينة العقبة والتي يتواجد بها الميناء الذي سنركب منه العبارة متوجهين بها إلى أحد المينائين المصريين : نوبيع أو السويس ، ارتقاء جبال عَمّان للنزول إلى مدينة العقبة هو أسوأ كابوس كان ينتابني في هذه الرحلة ، جبال شاهقة وأكثر حركة المرور بها تكون للشاحنات الكبير ، ولأننا نقود سيارتنا على اليمين فقد كنا بجانب السفح دائما ! وكنا جميعا نظل على درجة عالية من التيقظ حتى نصل بسلام إلى ميناء العقبة ، في الثمانينات من القرن الماضي كانت طابا مازالت تحت الاحتلال الإسرائيلي فكنا نراها ونحن نقف على ضفة ميناء العقبة ، كانت أحاسيسي مركبة وغريبة عندما قالت أمي لي هذه المعلومة لأول مرة ! وتساءلت : لماذا لا تسترد مصر هذه المدينة بالحرب ؟!
     ومن ميناء العقبة جربنا الوصول إلى مصر عن طريق أحد المينائين : نويبع أو السويس ، الرحلة من العقبة إلى نويبع تستغرق 6 ساعات تقريبا ثم نقوم بالنزول من العبارة وإنهاء إجراءات دخول مصر ثم نقطع سيناء بعرضها حتى نفق الشهيد أحمد حمدي ، أما طريق السويس فكانت العبارة تستغرق يومين وليلة وتوفر علينا السير في صحراء سيناء لساعات طوال ، وكنا نحب ركوب العبارة أنا وأخوتي ولكن أمي كانت تعاني من رهاب البحر فكان ركوب العبارة إلى السويس هو كابوسها الخاص ، وفي آخر رحلة لنا قرر أبي أن نتوجه من العقبة إلى السويس ، وعندما جاء الليل كنا في عرض البحر الأحمر وجبال الأمواج ترتطم بالعبارة ، وبدأت العبارة تتمايل يمينا ويسارا ، ولسوء حظي كان سريري في كابينة النوم بعرض السفينة فكنت أصعد وأهبط بطول السرير ، أعتقد أنه كان هناك مخططا عدوانيا خاصا بمكان نومي !!! وطبعا في هذا الجو أمي تعبت فقمت أنا وأختي وخرجنا بها من الكابينة للتمشية لنقلل إحساسها بتمايل العبارة وما إن وصلنا إلى الصالة الرئيسية والتي يتواجد بها السوق الحر فوجئنا بأن نساء العبارة كلهن موجودات فيها !
     سأذكر قصة صغيرة جدا لعمليات النصب والاحتيال التي يقوم بها بعض المصريين بالخارج على بعضهم البعض مما أكسبنا سمعة سيئة في دول الجوار ، فقد كنا في الطريق في السعودية ومررنا بمحطة للوقود ودخلها أبي وفوجئنا بمصري آخر يسافر وحيدا يسلم على أبي ويحتضنه ، ثم ركب سيارته وذهب ، سألنا أبي من هذا قال : لا أعرفه ولكننا رفقاء طريق ! وبعد أن ملأ أبي السيارة بالوقود وأخرج النقود لحساب صاحب المحطة فوجئ به يطلب منه حساب الشخص الذي غادر ! أقسم له أبي بأنه لا يعرفه ، ولكن صاحب المحطة رآه وهو يحتضن أبي ويسلم عليه وقد قال له هذا الرجل بأن أبي هو قريب له ! ولم يجد أبي أي مخرج لاستكمال الطريق سوى أن يقوم بدفع ثمن شيء لم يحصل عليه .
     وقصة أخرى لتوضيح الفرق بين الأنظمة التعليمية .. في العقبة دخل أبي إلى محطة أخرى للوقود وكانت مزدحمة جدا فأطفأ السيارة وجلس ينتظر دوره وفوجئت به يخرج سيجارته ليُشعلها ، فقلتُ له ببراءة طفلة تعملت شيئا مفيدا من المدرسة : بابا .. هو مش "ممنوع التدخين" في محطات البنزين ؟!! صُدم وقام بإدخال السيجارة مرة أخرى قبل إشعالها وشكرني لأنني ذكرته بهذه النصيحة .
     أما القصة الثالثة فهي مُبكية ومُفرحة في نفس الوقت ، كنا في مصر عام 1985 وكنا نستعد للعودة إلى الكويت برا كما أتينا ، وكانت أمي تتمنى أن يقوم جدي بزيارتنا في منزلنا وقد منعته بعض الخلافات ما بين أمي وأخوالي ، زارتنا خالة لي وأعطت أمي وعدا بأنها ستذهب لتأتي بجدي ليرى أمي وتراه قبل أن تسافر ، ولم تأتِ هذه الخالة ولم يأتِ جدي رحمه الله وسافرنا في اليوم التالي والحزن يملؤنا وأمي تمنع بكاءها بكل قوة ، وبدأنا طريق السفر وبعد خروجنا من مدينة تبوك كان من المفترض أن نتوجه إلى سكاكا ولكن الله أراد لأبي أن يُخطيء الطريق فتوجه جنوبا ، وفوجئنا بيافطة مكتوبا عليها : مرحبا بكم في المدينة المنورة ! وبالرغم من أن موسم الحج كان قد اقترب ويتم منع الزيارات إلى المدينتين الكريمتين خلال الحج إلا أن أمن المدينة سمح لنا بالدخول وزيارة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) والمبيت حتى اليوم التالي لاستكمال طريقنا والعودة .. كانت أكبر هدية من الله لنا جميعا بوجه عام ولأمي بوجه خاص ، حيث شعرت أمي يومها بأن الله يُراضيها لأنها لم تستطع زيارة أبيها أو رؤيته لأسباب خارجة عن إرادتها ، فعوضها خيرا بزيارة من هو أحب وأشرف وأكرم من أبيها .. زيارة الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وسلم) ، كانت أول مرة لنا جميعا نقوم فيها بزيارة المصطفى إلا أبي حيث قام بالحج عن نفسه في عام 1978 .
     أسأل الله لنا جميعا زيارة الحبيب المصطفى وزيارة بيت الله الحرام وأن نكون ممن استجاب الله دعوتهم حينما قالوا : اللهم أجرنا في مُصابنا واخلف لنا خيرا منه .. اللهم آمين .

هناك تعليقان (2):

Huda A. Al-Modalal يقول...

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،

فعلا الرحلة ممتعة من الكويت الى الاردن، اخذتني المذكرات الى ايام سفرنا من الكويت الى الاردن الى مصر ولكن كنا لا نرتاح في السعودية بل نصل في اليوم التالي الاردن ونمضي بها ما يقارب الاسبوع لكي يزور عمي وعماتي والاولادهم وبقية العائلة، ومن ثم نتوجه الى مصر
لنقضي الاجازة ومن ثم العودة للكويت...احب طريق السفر جدا...

يا مراكبي يقول...

أدب الرحلات من النوع ده أنا بحبه جداً

صحيح ما بقاش ليا خُلق على الرحلات البريَّة الطويلة اللي زي كده بس لسه بحبها من ذكريات قدية مماثلة